أحمد بن علي القلقشندي
323
صبح الأعشى في صناعة الإنشا
والجزيرة . ومن جهة الشرق أرمينية . ومن جهة الشّمال بلاد الكرج وبحر القرم . وذكر في « التعريف » ما يخالف ذلك فقال : إنها منحصرة بين بحرى القرم والخليج القسطنطيني ، تنتهي من شرقيها إلى بحر القرم المسمّى ببحر نيطش وما نيطش ، وفي الغرب إلى الخليج القسطنطيني ، وتنتهي متشاملة إلى القسطنطينيّة ، وتنتهي جنوبا إلى بلاد لاون : وهي بلاد الأرمن يحدّها البحر الشاميّ . وبالجملة فإنها مفارقة ما يسامت شرقيها من بلاد الأرمن المضافة إلى بلاد الشام من ممالك الدّيار المصرية . والحاصل أن هذه البلاد مبتدؤها من الشرق مما يلي المغرب حدود أرمينية في شماليّ بلاد الجزيرة وما والاها من بلاد الأرمن المضافة الآن إلى مملكة حلب ، وتأخذ في جهة الغرب إلى بحر الرّوم ، فيصير البحر في جانبها من الجنوب ويمتدّ عليها حتّى يتصل بالخليج القسطنطينيّ ، فيدور عليها الخليج وما يتصل به من بحر القرم من جهة الغرب ثم من جهة الشمال كالجزيرة ويحيط بها البحر من جميع جوانبها خلا جهة الشرق . وقد كانت هذه البلاد في زمان الرّوم من مضافات القسطنطينيّة وأعمالها . قال في « مسالك الأبصار » : وقد كانت هذه البلاد على عهد الرّوم محتكّ الأعنّة ، ومشتبك الأسنّة ، دار القياصرة ، ومكسر الأكاسرة . ثم وصفها بأتمّ الأوصاف ، فقال بعد أن ذكر أنها أثرى البلاد : صخورها تتفجّر ماء ، وجوّها يسخّر أنواء ، تعقد دون السماء سماء ، فيخصب زرعها ، ويخصم المحل ضرعها ، ويخصف ورق الجنّة على الحدائق ثمرها وينعها ، ويطرب ورقها منظرها البديع ، ويحبّرها من صناعة صنعاء الرّبيع ، فلا تسمع إلا كلّ مطربة تناجي النّجيّ ، وتشجي الشّجيّ ، وتخلب قلب الخليّ ، وتهب الغواني ما في أطواقها من الحليّ ، يعجب ثوبها السّندسيّ ، ونباتها المتعلَّق بذيل البهار بسجافها القندسيّ . فلا تجول في أرضها إلا على أرائك ، ولا تنظر إلا نساء كالحور العين وولدانا كالملائك . ثم قال بعد كلام طويل : وهي شديدة البرد لا يوصف شتاؤها ، إلا أن سكَّانها تستعدّ للشّتاء بها قبل دخوله ، وتحصّل ما تحتاج إليه ، وتدّخره في بيوتها ، وتستكثر من القديد والأدهان والخمور ، فتأكل وتشرب مدّة أيام الشتاء ، ولا تخرج من بيوتها ، ولو أرادت ذلك